محمد جواد مغنية
333
في ظلال الصحيفة السجادية
سبحانه الإنسان ، ومنحه العقل ، والقدرة ، والحرية ، وبهذه العناصر الثّلاثة مجتمعة يستحق الثّواب على الطّاعة ، والعقاب على المعصية ( ورهّبتنا عقابه ) أي خوفتنا عقاب عصيان ما أمرتنا به ، ونهيتنا عنه ( وجعلت لنا عدوّا ) وهو الوسواس الخناس الّذي يغلي في الصّدور من الحقد ، والحسد ، والعزم على غيرهما من المآثم . . . والدّليل على إرادة هذا المعنى قوله : ( أسكنته صدورنا ، وأجريته مجاري دمائنا ) ، أمّا قوله : ( سلّطته منّا على ما لم تسلّطنا عليه ) فمعناه أنّ هذا الوسواس الخبيث لا هو يذهب من تلقائه ، ولا نحن نستطيع الفرار منه . . . وهذا صحيح لا ريب فيه ، ومن أجل ذلك لا يحاسب سبحانه ، ويعاقب على أي شيء يدور ، ويمور في النّفس من الإفكار ، والنّوايا السّوداء إلا إذا ظهرت ، وتجسمت في قول ، أو فعل . ( يؤمننا عقابك ) يضمن لنا الأمن ، والأمان من غضبك ، وعذابك ( ويخوّفنا بغيرك ) ومن ذلك أنّ اللّه سبحانه قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ « 1 » ، والنّفس الأمارة ، أو الوسواس يخوفنا الفقر ، إن أطعنا ، وأنفقنا ( إن هممنا بفاحشة شجّعنا عليها . . . ) يشير بهذا إلى جهاد النّفس الّتي تحاول التّغلب بالهوى على العقل ، والتّقوى ( وينصب لنا بالشّبهات ) أظهر لنا الأفكار الخاطئة الّتي تلبس الحقّ ثوب الباطل ، والباطل ثواب الحقّ ، وتوقع السّذج البسطاء في الشّك ، والحيرة . ( إن وعدنا كذبنا . . . ) قال سبحانه وتعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً « 2 » ( وإلّا تصرف عنّا كيده يضلّنا ) اقتباس من الآية : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ « 3 » أي إن لم تعني على
--> ( 1 ) البقرة : 267 . ( 2 ) النّساء : 120 . ( 3 ) يوسف : 33 .